1- تمهيد:
التّصوف الفلسفي في الإسلام تصوّف آخر يختلف في الطّبع عن ذلك التّصوّف السّنّي الّذي ارتئيناه عند الغزالي وعند غيره ممّن تقدّمه من الصّوفيّة السّنّيّين.
والمقصود بالتّصوّف الفلسفي: التّصوف الّذي يعمد أصحابه إلى مزج أذواقهم الصّوفيّة بأنظارهم العقليّة. مستخدمين في التّعبير عنه مصطلحا فلسفيّا استمدّوه من مصادر متعدّدة.
وقد ظهر هذا التّصوف في الإسلام بوضوح منذ القرنين السّادس والسّابع الهجريّين. وهما القرنان الّذان شهدا ظهور أقطابه. واستمرّ بعد ذلك عند أفراد من متفلسفة الصّوفيّة حتّى عصر ليس ببعيد.
ولمّا كان هذا اللّون من التّصوف ممتزجا بالفلسفة. فإنّه قد تسرّبت إليه بذلك فلسفات أجنبيّة متعدّدة. يونانيّة وفارسيّة وهنديّة و مسيحيّة وذلك لا ينفى أصالته. لأنّ صوفيّته تمثّلوا هذه الثّقافات وحافظوا في نفس الوقت على استقلاليّتهم في مذاهبهم باعتبارهم مسلمين. وهذا يفسّر لنا جهودهم في الملائمة بين المذاهب الأجنبيّة عنهم والإسلام, وهي جهود واضحة في مصنّفاتهم. كما يفسّر لنا أيضا وجود تلك المصطلحات الفلسفيّة الأجنبيّة في مصنّفاتهم والّتي غيّروا كثيرا في معانيها الأصليّة بما يتلاءم ومذاهبهم الصّوفيّة الإسلاميّة.
وثمة طابع عامّ يطبع هذا التّصوف الفلسفي, وهو أنّه تصوّف غامض, ذو لغة اصطلاحيّة خاصّة, ويحتاج فهم مسائله إلى جهد غير عادي, ولا يمكن اعتباره فلسفة حيث أنه قائم على الذّوق. كما لا يمكن اعتباره تصوّفا خالصا, لأنّه يختلف عن التّصوّف الخالص في أنّه معبّر عنه بلغة فلسفيّة, و ينحو إلى وضع مذاهب في الوجود أساسا, فهو إذن بين بين.
وقد عرف متفلسفة الصّوفيّة الفلسفة اليونانيّة ومذاهبها كمذاهب سقراط وأفلاطون و أرسطو والرّواقيّة كما عرفوا الفلسفة الأفلاطونيّة المحدثة, و نظريّتها في الفيض أوالصّدور(Emanation) والفلسفة المعروفة بالهرمسيّة(Hermeticism) وكتاباتها الّتي ترجمت إلى العربيّة ووقفوا على الفلسفات الشّرقيّة القديمة فارسيّة وهنديّة, وعلى فلسفة فلاسفة الإسلام كالفارابي وابن سين وغيرهما, و تأثّروا بمذاهب غلاة الشّيعة من الإسماعيليّة الباطنيّة, وبرسائل إخوان الصّفا. وهذا كلّه إلى جانب علمهم الواسع بالعلوم الشّرعيّة من فقه وكلام حديث وتفسير, فهم إذن ذو طابع موسوعي, وثقافتهم ذات مكوّنات متعدّدة متباينة أحيانا.
وقد استهدف متفلسفة الصّوفيّة في الإسلام لهجوم الفقهاء دائما لما أعلنوه من قول بالوحدة الوجوديّة, ونظريّة القطبيّة, ووحدة الأديان. وما يترتّب على ذلك كلّه من آراء ونتائج ارتأى الفقهاء أنّها مخالفة للعقيدة الإسلاميّة.
وسنحاول فيما يلي الحديث عن أهمّ ما تناوله الصّوفيّة المتفلسفون في تصوّفهم من موضوعات. وخصائص تصوّفهم بوجه عامّ, وذلك قبل أن نتناول أبرازهم بالدّراسة.
2- موضوعات التّصوّف الفلسفي وخصائصه
يلاحظ الباحث في التّصوّف الفلسفي أنّ عناية أصحابه كانت متّجهة أساسا إلى وضع نظريّات في الوجود على دعائم من الذّوق, ينطلقون منها إلى تلوين كلّ مسائل تصوّفهم الأخرى بلونها.
وقد حصر ابن خلدون في مقدّمته أربعة موضوعات رئيسيّة عنى بها هؤلاء المتفلسفة من المتأخّرين وهي:
أ. المجاهدات وما يحصل عنها من الأذواق والمواجيد ومحاسبة النّفس على الأعمال.
ب. الكشف والحقيقة المدركة من عالم الغيب مثل الصّفات الرّبانيّة والعرش والكرسي والملائكة والوحي والنّبوّة والرّوح, والحقائق كلّ موجود غائب أو شاهد, وترتيب الأكوان في صدورها عن موجودها وتكوّنها.
ج. التّصرّفات في العالم والأكوان بأنواع الكرامات أو خوارق العادات.
د. صدور الألفاظ الموهمة الظّاهر والّتي تعرف بالشّطحيّات, وهي العبارات الّتي تستشكل ظوارها, والنّاس بالنّسبة لها بين منكر ومستحسن ومتأوّل .
فأمّا عن المجاهدات والأذواق الحاصلة عنها كالمقامات والأحوال فيتّفق فيها أولئك الصّوفية معا غيرهم ممّن تقدّمهم وهي على حدّ تعبير ابن خلدون" أمر لا مدفع فيه لأحد, وأذواقهم فيه صحيحة والتّحقيق بها عين السّعادة" .
وأمّا الكشف عن حقائق الوجود المدركة عنه. فيذكر ابن خلدون أنّ أولئك الصّوفيّة من المتفلسفة اصطنعوا فيها الرّياضة بأماتة القوى الحسّيّة, وتغذية الرّوح العاقل بالذّكر. حتّى يحصل للنّفس ادراكها الّذي لها من ذاتها, فإذا حصل ذالك زعموا أنّ الوجود قد انحصر في مداركهم, وأنّهم كشفوا حقائق الوجود كلّها. ويتحفّظ ابن خلدون هنا فيقول أنّ مثل هذا الكشف لابدّ أن يكون ناشأ عن الاستقامة, و الاستقامة للنّفس كالانبساط للمرآة فيما ينطبع فيها من الأحوال. ويذكر أنّ المتأخّرين من المتفلسفة لما عنوا بهذا النّوع من الكشف تكلّموا في حقائق الموجودات العلويّة والسّفليّة، ألا أنّهم أغمضوا للغاية لأنّ كلامهم أوّلا من قبيل الأذواق والمواجيد من حيث أنّ من لم يشاركهم طريقتهم لا يفهم شيئا مرامى كلامهم, وهذه الأذواق بطبيعتها غير خاضعة للدّليل والبرهان, فهي وجدانيّات, ولأنّهم تعمّدوا الإلغاز باستخدام اصطلاحات فلسفيّة لا يشاركهم فيها غيرهم, وكلامهم بوجه عامّ, "لا يقتدر أهل النّظر على تحصيل مقتضاه لغموضهه وانغلاقه" . ويضرب ابن خلدون أمثلة لمذاهبهم في الوجود وصدوره عن موجده وترتيبه, والحقيقة المحمّديّة, والوحدة الوجوديّة المطلقة, والاّصطلاحات المستخدمة فيها.
ويعارضهم ابن خلدون في قولهم بالوحدة, مبيّنا أنّها مرتبة عندهم على تفسير خاطئ للفناء, فيقول: "وهم في هذا يفرّون من التّركيب والكثرة بوجه من الوجوه, وإنّما أوجبها (أي الوحدة) عندهم الوهم والخيال .. مع أنّ المحقّقين من المتصوّفة المتأخّرين يقولون أنّ المريد عند الكشف ربّما بعرض له توهم هذه الوحدة, ويسمّى ذلك عندهم مقام الجمع ثمّ يترقّى عنه إلى التّمييز بين الموجودات, ويعبّرون عن ذلك بمقام الفرق, وهو مقام العارف المحقّق. ولابدّ للمريد عندهم من عقبة الجمع, وهي عقبة صعبة, لأنّه يخشى من وقوفه عندها فتخسر صنعته" .
وواضح أنّ ابن خلدون هنا, باعتباره من أهل السّنّة, يخطئ صوفيّة الوحدة لأنّهم قالوا بها انطلاقا من حال الفناء والجمع, وهو متّفق في نقده لهم مع الغزالي وغيره من متصوّفة أهل السّنّة. أمّا ما يذكره متفلسفة الصّوفيّة من التّصوّف في عالم الأكوان بالكرامات, فيميل ابن خلدون إلى إقرارهم عليه, فلكرامات كالإخبار بالمغيبات والتّصرّف في الكائنات أمر صحيح غير منكر, وإن مال بعض العلماء كأبي إسحق الأسفراييني إلى إنكارها, وليس ذلك في رأيه من الحقّ .
ولكن المتفلسة من الصّوفيّة يعتبرون التّصرّف في الأكوان مبنيّا على علم خاصّ عندهم هوعلم الأسماء والحروف, وقد ألّف فيه ابن عربي وابن سبعين وغيرهما, والفرق بينهم وبين السّنّيّين المعاصرين لهم كالشّاذلية كبير. فابن عطاء الله السّكندري مثلا يضع مذهبا في الزّهد و الكرامات. ويعتبر أنّها غير دالّة على كمال التّصوّف . ولذلك نجد ابن خلدون نفسه يمتدح رجال الرّسالة القشيريّة من ذوي الاّتّجاه السنّي من هذه النّاحية لاقتدائهم بالصّحابة قائلا: "وقد وقع للصّحابة وأكابر السّلف وكثير من ذلك (أي من الكرامات). وهو معلوم مشهور .. وسلف المتصوّفة من أهل "الرّسالة" (يقصد الرّسالة القشيريّة) أعلام الملّة .. لم يكن لهم حرص على كشف الحجاب. ولا هذا النّوع من الإدراك (الخارق). إنّما همّهم الإتباع واقتداء ما استطاعوا. ومن عرض له شيء من ذلك أعرض عنه ولم يحفل به, بل يفرّون منه, ويرون أنّه من العوائق والمحن" .
ثمّ يوجّه ابن خلدون بعد ذلك رأيه بالنّسبة للعبارات المشكلة الّتي تصدر عن متفلسة الصّوفيّة، فيقول: "وأمّا الألفاظ الموهومة الّتي يعبّرون عنها بالشّطحيّات, ويؤاخذهم بها أهل الشّرعي, فاعلم أنّ الأنصاف في شأن القوم أنّهم أهل غيبة عن الحسّ, والواردات تملّكهم حتّى ينطلقوا عنها بما لا يقصدونه, وصاحب الغيبة غير مخاطب, والمجبور معذور. فمن علم منهم فضله واقتداءه حمل (كلامه) على القصد الجميل, فإنّ العبارة عن المواجد صعبة لفقدان الوضع لها (يقصد أنّ الصّوفي لا يكون في حال وعيه ليضع عبارته في صورة مرتبة). كما وقع لأبي يزيد (البسطامي) وأمثاله. ومن لم يعلم فضله ولا اشتهر, فمؤاخذ بما صدر عنه من ذلك إذا لم يتبيّن لنا ما يحملنا على تأويل كلامه. وأمّا من تكلّم بمثلها, وهو حاضر في حسّه. ولم يملكه الحال، فمؤاخذ أيضا. ولهذا أفتى الفقهاء وأكابر المتصوّفة بقتل الحلاج لأنّه تكلّم في حضور, وهو مالك حاله، والله أعلم .
ويقارن ابن خلدون في مقدّمته أيضا بين أولئك المتأخّرين من الصّوفيّة المتفلسفين والإسماعيليّة من الشّيعة القائلين والحلول وإلهيّة الأئمّة، ويرى أنّ وجه الشّبه بين الفريقين ظاهر، خصوصا في مسئلة القول بالقطب الّذي هو رأس العارفين عندهم، والإبدال، فهذا في رأيه مشابه لما يقوله الإسماعيليّة في الإمام والنّقباء. وكذلك لباس خرقة التّصوّف الّذي يجعله أولئك الصّوفيّة أصلا لطريقهم. والمرفوع عندهم إلى الإمام عليّ. فهذا في رأيه أيضا أثر من آثار التّشيع .
ولعلّه قد تبيّن لنا الآن من كلام ابن خلدون أنّ التّصوّف الفلسفي له خصائص معيّنة:
فمنها أنّه تصوّف يعمد أصحابهم كغيرهم من الصّوفيّة إلى اصطناع المجاهدات النّفسيّة، من أجل التّرقّي الخلقي وهذا هو عين السّعدة، وأنّه تصوّف يجعل الكشف منهجا للمعرفة بالحقائق، وأنّ أصحابه تحقّقوا بالفناء، كما أنّهم أغمضوا في تعبيرهم عن حقائق هذا التّصوّف، فهم رمزيّون من هذه النّاحية، وهذا الخصائص العامّة تصدّق على تصوّفهم كما قد تصدّق على أيّ تصوّف آخر.
إلاّ أنّ أولئك المتفلسفة زادوا على المتصوّفة السّنّيّين بأمور: أوّلها: أنّهم أصحاب نظريّات أو مواقف من الوجود بسطوها في كتبهم وأشعارهم، ولا يمكن أن توصف عباراتهم فيها بأنّها من قبيل الشّطحي الّذي لا يسأل عنه أصحابه، وثانيها: أنّهم أسرفوا في الرّمزيّة إسرافا حدّ يدافعه كلامهم غير مفهوم للغير، وثالثها: اعتدادهم الشّديد بأنفسهم وبعلومهم، وهو اعتداد إن لم يلازمهم كلّهم، فقد لازم أكثرهم على الأقلّ.
مصادر البحث
- التّفتازاني، أبوا الوفاء الغنيمي، مدخل إلى التّصوف الإسلامي، دار الثّقافة للطّباعة والنّشر بالقاهرة، 1979م.
- التّفتازاني، أبوا الوفاء الغنيمي، نظرة إلى الكشف الصّوفي، مجلّة الفكر المعاصر، العدد 34، ديسمبر 1967م.
- السّلمى (أبو عبد الرّحمن): طبقات الصّوفيّة، تحقيق الأستاذ نور الدّين شريبة، مكتبة الخانجى، الطّبعة الثّانيية 1969م.